ابن عجيبة

550

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : « أرأيتم » : بمعنى : أخبروني ، وهي تطلب مفعولين : أحدهما منصوب ، والآخر مشتمل على استفهام ، كقولك : أرأيت زيدا ما فعل ، فالأول : ( شركاءكم ) والثاني : ( ماذا خلقوا ) . و ( أروني ) : اعتراض ، فيها تأكيد للكلام وتشديد . ويحتمل أن يكون من باب التنازع ؛ لأنه توارد على ( ماذا خلقوا ) : ( أرأيتم ) و ( أروني ) ، ويكون قد أعمل الثاني على المختار عند البصريين . قاله أبو حيان . ولابن عطية وابن عرفة غير هذا ، فانظره . و « بعضهم » : بدل من « الظالمين » . يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ أي : أخبروني عن آلهتكم التي أشركتموها في العبادة مع اللّه ، الَّذِينَ تَدْعُونَ أي : تعبدونهم مِنْ دُونِ اللَّهِ ، ما سندكم في عبادتهم ؟ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أي : جزء من الأرض ، استبدّوا بخلقه حتى استحقوا العبادة بسبب ذلك ، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أي : أم لهم مع اللّه شركة في خلق السماوات حتى استحقوا أن يعبدوا ؟ بل لا شئ من ذلك ، فبطل استحقاقها للعبادة . أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً ؛ أم معهم كتاب من عند اللّه ينطق بأنهم شركاؤه ، فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ ؛ فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب ؟ قال ابن عرفة : هذا إشارة إلى الدليل السمعي ، والأول إشارة إلى الدليل العقلي ، فهم لم يستندوا في عبادتهم الأصنام إلى دليل عقلي ولا سمعي ، بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ أي : ما يعد الظالمون ، وهم الرؤساء بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً ؛ باطلا وتمويها ، وهو قولهم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ « 1 » . لمّا نفى أنواع الحجج العقلية والسمعية ، أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه ، وهو تقرير الأسلاف الأخلاف ، والرؤساء الأتباع ؛ بأنهم شفعاء عند اللّه تقربهم إليه . هذا هو التقليد الردئ ، والعياذ باللّه . الإشارة : كل من ركن إلى مخلوق ، أو اعتمد عليه ، يتلى عليه : أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ . . الآية . وفي الحكم : « كما لا يقبل العمل المشترك ، لا يحب القلب المشترك . العمل المشترك لا يقبله ، والقلب المشترك لا يقبل عليه » . ثم ذكر من يستحق العبادة وحده ، فقال : [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 41 ] إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 41 )

--> ( 1 ) من الآية 18 من سورة يونس .